محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
38
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الذاكرة الجماعية اليهودية والذاكرة الجماعية المسيحية المدعوتين هما أيضا بالتراث الحيّ vivante Tradition ( فلليهود تراثهم الديني المستمر منذ أقدم العصور والمدعو بالتراث الحي . وكذلك الأمر بالنسبة للمسيحيين . فلكل طائفة تراثها الديني الذي يعتبر مقدسا ومطلقا ونهائيا . . . ) في دراسات عديدة سابقة ، كنت قد أقمت تمييزا حادا وقاطعا بين المكانتين اللغويتين للخطاب القرآني ، أقصد : المكانة الشفهية ، والمكانة والكتابية . فالمكانة الشفهية لها بروتوكولها الخاصّ في التواصل أو التوصيل ، ونقصد بها الأداء الشفهي من خلال قناة خاصة ، وفي ظروف مادية معينة ، ومن خلال علامات سيميائية خاصة ، وأدوات ، وآليّات مستخدمة لتوليد المعنى الذي يؤدي إلى ردود فعل مباشرة عليه : فإما القبول وإما الرفض ؛ إما أنه يثير حماسة الجمهور المستمع وإما أنه يثير غضبه على الفور . وهناك مكانة المكتوب أو القرآن كنصّ . ينبغي أن نعلم أن المكانة الشفهية للخطاب قد تأبّدت . ( أو ظلت على قيد الحياة ) من خلال التلاوة الشعائرية للقرآن من قبل المؤمنين . وكذلك تأبّدت من خلال الاستشهادات المتكررة التي تحصل للمسلمين كثيرا في أحاديثهم اليومية أو العادية . ولكن هذين النمطين من الاستخدام الشفهي يختلفان لغويا عن المرة الشفهية الأولى حين نطق محمد بن عبد اللّه بالآيات القرآنية ، أو بالمقاطع والسور على هيئة سلسلة متتابعة ، أو وحدات متمايزة ومنفصلة على مدار عشرين عاما . وهذا التبليغ الشفهي الأول ضاع إلى الأبد ، ولا يمكن للمؤرّخ الحديث أن يصل إليه أو يتعرّف عليه مهما فعل ومهما أجرى من بحوث . كان التراث الإسلامي قد جمع الكثير من القصص القصيرة عن الأسباب التي يعتقد بأنها دفعت إلى تبليغ هذه الآية أو تلك ( هذا ما يدعى بأسباب النزول ) . وإذا ما نظرنا إلى المصحف كما هو عليه حاليا ، فإننا لا نستطيع حتى أن نطبع كلّية النصّ طبقا للترتيب الكرونولوجي ( أي الزمني المتسلسل ) لما أدعوه أنا شخصيا بالوحدات النصّية المتمايزة « * » . وقد كرّست أدبيات هائلة لهذه المسألة من قبل العلماء المستشرقين . وينبغي أن يستمر البحث إذا كان هناك أي أمل في العثور على مخطوطات موثوقة أكثر قدما من النسخة التي نمتلكها حاليا . ولكن منذ أن فرضت المجموعة الرسمية المغلقة أو الناجزة المتمثّلة بالمصحف نفسها ، والمسلمون يعارضون حتى إمكانية ترتيب القرآن طبقا للتسلسل
--> * هكذا نلاحظ أن أركون يستخدم مصطلحا ألسنيا أو لغويا بدل المصطلح المشحون لاهوتيا ، أي مصطلح آية ، أو سورة . فكل آية هي عبارة عن وحدة نصّية ، وكل سورة مشكّلة من عدد يقل أو يكثر من الوحدات النصية أو اللغوية . من المعلوم أن القرآن في صورته الحالية ليس مرتبا بشكل تاريخي . وقد حاول المستشرقون ترتيب آياته وسورة بشكل متسلسل وتاريخي ، فميّزوا بين ثلاث مراحل مكيّة مثلا ، وبين المراحل المكّية والمراحل المدنية . واعتمدوا على الأسلوب والموضوعات الدينية ، والسياسية المطروقة من أجل إنجاز مثل هذا الترتيب التاريخي . ولكنه ليس موثوقا كليا ، وتظل هناك ثغرات ونواقص .